فصل: الرّدّ عَلَى مَنْ يَقُولُ الْأَسْبَقُ أَوْلَى بِالِاسْمِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.مِنْ ضَرُورَةِ الْحَيْضِ أَنْ يَتَقَدّمَهُ طُهْرٌ:

أَحَدُهُمَا: أَنّ مِنْ ضَرُورَةِ الْحَيْضِ أَنْ يَتَقَدّمَهُ طُهْرٌ فَإِذَا قِيلَ تَرَبّصِي ثَلَاثَ حِيَضٍ وَهِيَ فِي أَثْنَاءِ الطّهْرِ كَانَ ذَلِكَ الطّهْرُ مِنْ مُدّةِ التّرَبّصِ كَمَا لَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ أَقِمْ هَاهُنَا ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ لَيْلَةٍ فَإِنّهُ يُدْخِلُ بَقِيّةَ تِلْكَ اللّيْلَةِ فِي الْيَوْمِ الّذِي يَلِيهَا كَمَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي يَوْمَيْهِمَا. وَلَوْ قِيلَ لَهُ فِي النّهَارِ أَقِمْ ثَلَاثَ لَيَالٍ دَخَلَ تَمَامُ ذَلِكَ النّهَارِ تَبَعًا لِلّيْلَةِ الّتِي تَلِيهِ.

.الطّهْرُ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْحَيْضِ:

الثّانِي: أَنّ الْحَيْضَ إنّمَا يَتِمّ بِاجْتِمَاعِ الدّمِ فِي الرّحِمِ قَبْلَهُ فَكَانَ الطّهْرُ مُقَدّمَةً وَسَبَبًا لِوُجُودِ الْحَيْضِ فَإِذَا عُلّقَ الْحُكْمُ بِالْحَيْضِ فَمِنْ لَوَازِمِهِ مَا لَا يُوجَدُ الْحَيْضُ إلّا بِوُجُودِهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنّ هَذَا أَبْلَغُ مِنْ الْأَيّامِ وَاللّيَالِي فَإِنّ اللّيْلَ وَالنّهَارَ مُتَلَازِمَانِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا سَبَبًا لِوُجُودِ الْآخَرِ وَهَاهُنَا الطّهْرُ سَبَبٌ لِاجْتِمَاعِ الدّمِ فِي الرّحِمِ فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لِعِدّتِهِنّ} أَيْ لِاسْتِقْبَالِ الْعِدّةِ الّتِي الْعِدّةَ الْمَحْسُوبَةَ وَتِلْكَ الْعِدّةُ هِيَ الْحَيْضُ بِمَا قَبْلَهَا مِنْ الْأَطْهَارِ بِخِلَافِ مَا لَوْ طُلّقَتْ فِي أَثْنَاءِ حَيْضَةٍ فَإِنّهَا لَمْ تُطَلّقْ لِعِدّةِ تَحْسَبُهَا لَأَنّ بَقِيّةَ ذَلِكَ الْحَيْضِ لَيْسَ هُوَ الْعِدّةَ الّتِي تَعْتَدّ بِهَا الْمَرْأَةُ أَصْلًا وَلَا تَبَعًا لِأَصْلِ وَإِنّمَا تُسَمّى عِدّةً لِأَنّهَا تُحْبَسُ فِيهَا عَنْ الْأَزْوَاجِ إذَا عُرِفَ هَذَا فَقَوْلُهُ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الْأَنْبِيَاءَ 47] يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللّامُ لَامَ التّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ قِيلَ إنّ الْقِسْطَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ نَضَعُهَا لِأَجْلِ الْقِسْطِ وَقَدْ اسْتَوْفَى شُرُوطَ نَصْبِهِ وَأَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَقِمِ الصّلَاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ} [الْإِسْرَاءَ: 78] فَلَيْسَتْ اللّامُ بِمَعْنَى فِي قَطْعًا بَلْ قِيلَ إنّهَا لَامُ التّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ دُلُوكِ الشّمْسِ وَقِيلَ إنّهَا بِمَعْنَى بَعْدُ فَإِنّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ إقَامَتَهَا وَقْتَ الدّلُوكِ سَوَاءٌ فُسّرَ بِالزّوَالِ أَوْ الْغُرُوبِ وَإِنّمَا يُؤْمَرُ بِالصّلَاةِ بَعْدَهُ وَيَسْتَحِيلُ حَمْلُ آيَةِ الْعِدّةِ عَلَى ذَلِكَ وَهَكَذَا يَسْتَحِيلُ حَمْلُ آيَةِ الْعِدّةِ عَلَيْهِ إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى: فَطَلّقُوهُنّ بَعْدَ عِدّتِهِنّ. فَلَمْ يَبْقَ إلّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَطَلّقُوهُنّ لِاسْتِقْبَالِ عِدّتِهِنّ وَمَعْلُومٌ أَنّهَا إذَا طُلّقَتْ طَاهِرًا اسْتَقْبَلَتْ الْعِدّةَ بِالْحَيْضِ. وَلَوْ كَانَتْ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارَ لَكَانَتْ السّنّةُ أَنْ تُطَلّقَ حَائِضًا لِتَسْتَقْبِلَ الْعِدّةَ بِالْأَطْهَارِ فَبَيّنَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْعِدّةَ الّتِي أَمَرَ اللّهُ أَنْ تُطَلّقَ لَهَا النّسَاءُ هِيَ أَنْ تُطَلّقَ طَاهِرًا لِتَسْتَقْبِلَ عِدّتَهَا بَعْدَ الطّلَاقِ. فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا جَعَلْنَا الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارَ اسْتَقْبَلَتْ عِدّتَهَا بَعْدَ الطّلَاقِ بِلَا فَصْلٍ وَمَنْ جَعَلَهَا الْحِيَضَ لَمْ تَسْتَقْبِلْهَا عَلَى قَوْلِهِ حَتّى يَنْقَضِيَ الطّهْرُ. قِيلَ كَلَامُ الرّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَابُدّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى فَائِدَةٍ مُسْتَقِلّةٍ وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى: فَطَلّقُوهُنّ طَلَاقًا تَكُونُ الْعِدّةُ بَعْدَهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى: فَطَلّقُوهُنّ طَلَاقًا يَسْتَقْبِلْنَ فِيهِ الْعِدّةَ لَا يَسْتَقْبِلْنَ فِيهِ طُهْرًا لَا تَعْتَدّ بِهِ فَإِنّهَا إذَا طُلّقَتْ حَائِضًا اسْتَقْبَلَتْ طُهْرًا لَا تَعْتَدّ بِهِ فَلَمْ تُطَلّقْ لِاسْتِقْبَالِ الْعِدّةِ وَيُوَضّحُهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ فَطَلّقُوهُنّ فِي قُبُلِ عِدّتِهِنّ. وَقُبُلُ الْعِدّةِ هُوَ الْوَقْتُ الّذِي الْعِدّةِ تَسْتَقْبِلُ بِهِ كَقُبُلِ الْحَائِضِ يُوَضّحُهُ أَنّهُ لَوْ أُرِيدَ مَا ذَكَرُوهُ لَقِيلَ فِي أَوّلِ عِدّتِهِنّ فَالْفَرْقُ بَيّنٌ بَيْنَ قُبُلِ الشّيْءِ وَأَوّلِهِ.

.يَجِبُ تَأَخّرُ الْعِدّةِ عَنْ الطّلَاقِ:

وَأَمّا قَوْلُكُمْ لَوْ كَانَتْ الْقُرُوءُ هِيَ الْحِيَضَ لَكَانَ قَدْ طَلّقَهَا قَبْلَ الْعِدّةِ. قُلْنَا: أَجَلْ وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَقْلًا وَشَرْعًا فَإِنّ الْعِدّةَ لَا تُفَارِقُ الطّلَاقَ وَلَا تَسْبِقُهُ بَلْ يَجِبُ تَأَخّرُهَا عَنْهُ.

.التّطْوِيلُ عِنْدَ الطّلَاقِ فِي الْحَيْضِ:

قَوْلُكُمْ وَكَانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا عَلَيْهَا كَمَا لَوْ طَلّقَهَا فِي الْحَيْضِ قِيلَ هَذَا مَبْنِيّ عَلَى أَنّ الْعِلّةَ فِي تَحْرِيمِ طَلَاقِ الْحَائِضِ خَشْيَةُ التّطْوِيلِ عَلَيْهَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يَرْضَوْنَ هَذَا التّعْلِيلَ وَيُفْسِدُونَهُ بِأَنّهَا لَوْ رَضِيَتْ بِالطّلَاقِ فِيهِ وَاخْتَارَتْ التّطْوِيلَ لَمْ يُبَحْ لَهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ التّطْوِيلِ لَمْ تُبِحْ لَهُ بِرِضَاهَا كَمَا يُبَاحُ إسْقَاطُ الرّجْعَةِ الّذِي هُوَ حَقّ الْمُطَلّقِ بِتَرَاضِيهِمَا بِإِسْقَاطِهَا بِالْعِوَضِ اتّفَاقًا وَبِدُونِهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَيَقُولُونَ إنّمَا حَرُمَ طَلَاقُهَا فِي الْحَيْضِ لِأَنّهُ طَلّقَهَا فِي وَقْتِ رَغْبَةٍ عَنْهَا وَلَوْ سَلّمْنَا أَنّ التّحْرِيمَ لِأَجْلِ التّطْوِيلِ عَلَيْهَا فَالتّطْوِيلُ الْمُضِرّ أَنْ يُطَلّقَهَا حَائِضًا فَتَنْتَظِرَ مُضِيّ الْحَيْضَةِ وَالطّهْرِ الّذِي يَلِيهَا ثُمّ تَأْخُذَ فِي الْعِدّةِ فَلَا تَكُونُ مُسْتَقْبِلَةً لِعِدّتِهَا بِالطّلَاقِ وَأَمّا إذَا طُلّقَتْ طَاهِرًا فَإِنّهَا تَسْتَقْبِلُ الْعِدّةَ عَقِيبَ انْقِضَاءِ الطّهْرِ فَلَا يَتَحَقّقُ التّطْوِيلُ.

.الْقَرْءُ مُشْتَقّ مِنْ الْجَمْعِ أَيْ زَمَنِ الطّهْرِ:

وَقَوْلُكُمْ إنّ الْقَرْءَ مُشْتَقّ مِنْ الْجَمْعِ وَإِنّمَا يُجْمَعُ الْحَيْضُ فِي زَمَنِ الطّهْرِ. عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ.

.الرّدّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنّ ذَلِكَ مُشْتَقّ مِنْ الْمُعْتَلّ لَا الْمَهْمُوزِ:

أَحَدُهَا: أَنّ هَذَا مَمْنُوعٌ وَاَلّذِي هُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْجَمْعِ إنّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْيَاءِ مِنْ الْمُعْتَلّ مِنْ قَرَى يَقْرِي كَقَضَى يَقْضِي وَالْقَرْءُ مِنْ الْمَهْمُوزِ مِنْ بَنَاتِ الْهَمْزِ مِنْ قَرَأَ يَقْرَأُ كَنَحَرَ يَنْحَرُ وَهُمَا أَصْلَانِ مُخْتَلِفَانِ فَإِنّهُمْ يَقُولُونَ قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَقْرِيه أَيْ جَمَعْته وَمِنْهُ سُمّيَتْ الْقَرْيَةُ وَمِنْهُ قَرْيَةُ النّمْلِ لِلْبَيْتِ الّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ لِأَنّهُ يَقْرِيهَا أَيْ يَضُمّهَا وَيَجْمَعُهَا. وَأَمّا الْمَهْمُوزُ فَإِنّهُ مِنْ الظّهُورِ وَالْخُرُوجِ عَلَى وَجْهِ التّوْقِيتِ وَالتّحْدِيدِ وَمِنْهُ قِرَاءَةُ {إِنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [الْقِيَامَةَ 17] فَفُرّقَ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْقُرْآنِ. وَلَوْ كَانَا وَاحِدًا لَكَانَ تَكْرِيرًا مَحْضًا وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتّبِعْ قُرْآنَهُ} [الْقِيَامَةَ 18] فَإِذَا بَيّنّاهُ فَجَعَلَ قِرَاءَتَهُ نَفْسَ إظْهَارِهِ وَبَيَانِهِ لَا كَمَا زَعَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ الْقُرْآنَ مُشْتَقّ مِنْ الْجَمْعِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَا قَرَأَتْ هَذِهِ النّاقَةُ سَلَى قَطّ وَمَا قَرَأَتْ جَنِينًا هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْ مَا وَلَدَتْهُ وَأَخْرَجَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ وَمِنْهُ فُلَانٌ يَقْرَؤُك السّلَامَ وَيَقْرَأُ عَلَيْك السّلَامَ هُوَ مِنْ الظّهُورِ وَالْبَيَانِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ قَرَأَتْ الْمَرْأَةُ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ أَيْ حَاضَتْهُمَا لِأَنّ الْحَيْضَ ظُهُورُ مَا كَانَ كَامِنًا كَظُهُورِ الْجَنِينِ وَمِنْهُ قُرُوءُ الثّرَيّا وَقُرُوءُ الرّيحِ وَهُوَ الْوَقْتُ الّذِي يَظْهَرُ الْمَطَرُ وَالرّيحُ فَإِنّهُمَا يَظْهَرَانِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الِاشْتِقَاقَ الْمُصَنّفُونَ فِي كُتُبِ الِاشْتِقَاقِ وَذَكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُ وَلَا رَيْبَ أَنّ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْحَيْضِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الطّهْرِ.

.الرّدّ عَلَى قَوْلِهِمْ النّسَاءُ أَعْلَمُ بِهَذَا الْبَابِ مِنْ الرّجَالِ:

قَوْلُكُمْ إنّ عَائِشَة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ وَالنّسَاءُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْ الرّجَالِ. فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ مَنْ جَعَلَ النّسَاءَ أَعْلَمَ بِمُرَادِ اللّهِ مِنْ كِتَابِهِ وَأَفْهَمَ لِمَعْنَاهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ وَعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدّرْدَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَأَكَابِرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ؟ فَنُزُولُ ذَلِكَ فِي شَأْنِهِنّ لَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُنّ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ الرّجَالِ وَإِلّا كَانَتْ كُلّ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي النّسَاءِ تَكُونُ النّسَاءُ أَعْلَمَ بِهَا مِنْ الرّجَالِ وَيَجِبُ عَلَى الرّجَالِ تَقْلِيدُهُنّ فِي مَعْنَاهَا وَحُكْمِهَا فَيَكُنّ أَعْلَمَ مِنْ الْحَائِضِ وَآيَةِ عِدّةِ الْمُتَوَفّى عَنْهَا وَآيَةِ الْحَمْلِ وَالْفِصَالِ وَمُدّتِهِمَا وَآيَةِ تَحْرِيمِ إبْدَاءِ الزّينَةِ إلّا لِمَنْ ذُكِرَ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الّتِي تَتَعَلّقُ بِهِنّ وَفِي شَأْنِهِنّ نَزَلَتْ وَيَجِبُ عَلَى الرّجَالِ تَقْلِيدُهُنّ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَعْنَاهَا وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ الْبَتّةَ. وَكَيْفَ وَمَدَارُ الْعِلْمِ بِالْوَحْيِ عَلَى الْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَوُفُورِ الْعَقْلِ وَالرّجَالُ أَحَقّ بِهَذَا مِنْ النّسَاءِ وَأَوْفَرُ نَصِيبًا مِنْهُ بَلْ لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ الرّجَالُ وَالنّسَاءُ فِي مَسْأَلَةٍ إلّا وَالصّوَابُ فِي جَانِبِ الرّجَالِ وَكَيْفَ يُقَالُ إذَا اخْتَلَفَتْ عَائِشَةُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي مَسْأَلَةٍ إنّ الْأَخْذَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَوْلَى وَهَلْ الْأَوْلَى إلّا قَوْلٌ فِيهِ خَلِيفَتَانِ رَاشِدَانِ؟ وَإِنْ كَانَ الصّدّيقُ مَعَهُمَا كَمَا حُكِيَ عَنْهُ فَذَلِكَ الْقَوْلُ مِمّا لَا يَعْدُوهُ وَعَلِيّ ثَابِتٌ وَأَمّا عَنْ الصّدّيقِ فَفِيهِ غَرَابَةٌ وَيَكْفِينَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصّحَابَةِ فِيهِمْ مِثْلُ عُمَرَ وَعَلِيّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدّرْدَاءِ وَأَبِي مُوسَى فَكَيْفَ نُقَدّمُ قَوْلَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَفَهْمَهَا عَلَى أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ؟ ثُمّ يُقَالُ فَهَذِهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا تَرَى رَضَاعَ الْكَبِيرِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَيُثْبِتُ الْمَحْرَمِيّةَ وَمَعَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَقَدْ خَالَفَهَا غَيْرُهَا مِنْ الصّحَابَةِ وَهِيَ رَوَتْ حَدِيثَ التّحْرِيمِ بِهِ فَهَلّا قُلْتُمْ النّسَاءُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْ الرّجَالِ وَرَجّحْتُمْ قَوْلَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ خَالَفَهَا؟ وَنَقُولُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللّهُ وَهَذِهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا لَا تَرَى التّحْرِيمَ إلّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ وَمَعَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الصّحَابَةِ وَرَوَتْ فِيهِ حَدِيثَيْنِ فَهَلّا قُلْتُمْ النّسَاءُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْ الرّجَالِ وَقَدّمْتُمْ قَوْلَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ خَالَفَهَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ هَذَا حُكْمٌ يَتَعَدّى إلَى الرّجَالِ فَيَسْتَوِي النّسَاءُ مَعَهُمْ فِيهِ قِيلَ وَيَتَعَدّى حُكْمُ الْعِدّةِ مِثْلَهُ إلَى الرّجَالِ فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَ النّسَاءُ مَعَهُمْ فِيهِ وَهَذَا لَا خَفَاءَ بِهِ. ثُمّ يُرَجّحُ قَوْلُ الرّجَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَهِدَ لِوَاحِدِ مِنْ هَذَا الْحِزْبِ بِأَنّ اللّهَ ضَرَبَ الْحَقّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ. وَقَدْ وَافَقَ رَبّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي عِدّةِ مَوَاضِعَ قَالَ فِيهَا قَوْلًا فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِمِثْلِ مَا قَالَ وَأَعْطَاهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَضْلَ إنَائِهِ فِي النّوْمِ وَأَوّلَهُ أَوْلَى وَإِنْ كَانَتْ الْحُجّةُ هِيَ الّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ فَتَحْكِيمُهَا هُوَ الْوَاجِبُ.

.الْأَخْذُ بِقَوْلِ عَلِيّ هُوَ أَحَقّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ:

قَوْلُكُمْ إنّ مَنْ قَالَ إنّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ لَا يَقُولُونَ بِقَوْلِ عَلِيّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا بِقَوْلِ عَائِشَةَ فَإِنّ عَلِيّا يَقُولُ هُوَ أَحَقّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِوَاحِدِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَهَذَا غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ تَنَاقُضًا مِمّنْ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ كَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا عَمّنْ يَقُولُ بِقَوْلِ عَلِيّ وَهُوَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُ كَمَا تَقَدّمَ حِكَايَةُ ذَلِكَ فَإِنّ الْعِدّةَ تَبْقَى عِنْدَهُ إلَى أَنْ تَغْتَسِلَ كَمَا قَالَهُ عَلِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ وَنَحْنُ نَعْتَذِرُ عَمّنْ يَقُولُ الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَقُولُ هُوَ أَحَقّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ فَإِنّهُ وَافَقَ مَنْ يَقُولُ الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَهُ فِي تَوَقّفِ انْقِضَائِهَا عَلَى الْغُسْلِ لِمُعَارِضِ أَوْجَبَ لَهُ مُخَالَفَتَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ. وَلَوْ ذَهَبْنَا نَعُدّ مَا تَصَرّفْتُمْ فِيهِ هَذَا التّصَرّفَ بِعَيْنِهِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُعَارِضُ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ تَنَاقُضًا مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ ضَعِيفُ قَوْلِهِمْ فِي إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ عِنْدَهُمْ بِمَانِعِ لَهُمْ مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى فَإِنّ مُوَافَقَةَ أَكَابِرِ الصّحَابَةِ وَفِيهِمْ مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرّاشِدِينَ فِي مُعْظَمِ قَوْلِهِمْ خَيْرٌ وَأَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعِهِ وَإِلْغَائِهِ بِحَيْثُ لَا يُعْتَبَرُ الْبَتّةَ. قَالُوا: ثُمّ لَمْ نُخَالِفْهُمْ فِي تَوَقّفِ انْقِضَائِهَا عَلَى الْغُسْلِ بَلْ قُلْنَا: لَا تَنْقُضِي حَتّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ فَوَافَقْنَاهُمْ فِي قَوْلِهِمْ بِالْغُسْلِ وَزِدْنَا عَلَيْهِمْ انْقِضَاءَهَا بِمُضِيّ وَقْتِ الصّلَاةِ لِأَنّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الطّاهِرَاتِ بِدَلِيلِ اسْتِقْرَارِ الصّلَاةِ فِي ذِمّتِهَا فَأَيْنَ الْمُخَالَفَةُ الصّرِيحَةُ لِلْخُلَفَاءِ الرّاشِدِينَ رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِمْ.

.بالِاخْتِلَافُ فِيمَا يَنْقَضِي بِهِ أَجَلُ الْعِدّةِ:

وَقَوْلُكُمْ لَا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللّهِ لِلْغُسْلِ مَعْنَى. فَيُقَالُ كِتَابُ اللّهِ تَعَالَى لَمْ يَتَعَرّضْ لِلْغُسْلِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ وَإِنّمَا عَلّقَ الْحِلّ وَالْبَيْنُونَةَ بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ السّلَفُ وَالْخَلَفُ فِيمَا يَنْقَضِي بِهِ الْأَجَلُ فَقِيلَ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ. وَقِيلَ بِالْغُسْلِ أَوْ مُضِيّ صَلَاةٍ أَوْ انْقِطَاعِهِ لِأَكْثَرِهِ. وَقِيلَ بِالطّعْنِ فِي الْحَيْضَةِ الثّالِثَةِ وَحُجّةُ مَنْ وَقَفَهُ عَلَى الْغُسْلِ قَضَاءُ الْخُلَفَاءِ الرّاشِدِينَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عُمَرُ وَعَلِيّ وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ حَتّى تَغْتَسِلَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثّالِثَةِ. قَالُوا: وَهُمْ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللّهِ وَحُدُودِ مَا أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ وَأَبِي مُوسَى وَعُبَادَة وَأَبِي الدّرْدَاءِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ. وَمِنْ هَاهُنَا قِيلَ إنّ مَذْهَبَ الصّدّيقِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ أَنّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ. قَالُوا: وَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ حَظّ وَافِرٌ مِنْ الْفِقْهِ فَإِنّ الْمَرْأَةَ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الطّاهِرَاتِ مِنْ وَجْهٍ وَفِي حُكْمِ الْحُيّضِ مِنْ وَجْهٍ وَالْوُجُوهُ الّتِي هِيَ فِيهَا فِي حُكْمِ الْحُيّضِ أَكْثَرُ مِنْ الْوُجُوهِ الّتِي هِيَ فِيهَا فِي حُكْمِ الطّاهِرَاتِ فَإِنّهَا فِي حُكْمِ الطّاهِرَاتِ فِي صِحّةِ الصّيَامِ وَوُجُوبِ الصّلَاةِ وَفِي حُكْمِ الْحُيّضِ فِي تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ مَنْ حَرّمَهُ عَلَى الْحَائِضِ وَاللّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَالطّوَافِ بِالْبَيْتِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَتَحْرِيمِ الطّلَاقِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَاحْتَاطَ الْخُلَفَاءُ الرّاشِدُونَ وَأَكَابِرُ الصّحَابَةِ لِلنّكَاحِ وَلَمْ يُخْرِجُوهَا مِنْهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ إلّا بِقَيْدِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَهُوَ ثُبُوتُ حُكْمِ الطّاهِرَاتِ فِي حَائِضًا فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ أَوْلَى مَنْ جَعْلِهَا حَائِضًا فِي بَقَاءِ الزّوْجِيّةِ وَثُبُوتِ الرّجْعَةِ وَهَذَا مِنْ أَدَقّ الْفِقْهِ وَأَلْطَفِهِ مَأْخَذًا. قَالُوا: وَأَمّا قَوْلُ الْأَعْشَى:
لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا

فَغَايَتُهُ اسْتِعْمَالُ الْقُرُوءِ فِي الطّهْرِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُهُ.

.الرّدّ عَلَى مَنْ يَقُولُ الْأَسْبَقُ أَوْلَى بِالِاسْمِ:

قَوْلُكُمْ إنّ الطّهْرَ أَسْبَقُ مِنْ الْحَيْضِ فَكَانَ أَوْلَى بِالِاسْمِ فَتَرْجِيحٌ طَرِيفٌ جِدّا فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ أَوْلَى بِالِاسْمِ إذَا كَانَ سَابِقًا فِي الْوُجُودِ؟ ثُمّ ذَلِكَ السّابِقُ لَا يُسَمّى قَرْءًا مَا لَمْ يَسْبِقْهُ دَمٌ عِنْدَ جُمْهُورِ مَنْ يَقُولُ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ وَهَلْ يُقَالُ فِي كُلّ لَفْظٍ مُشْتَرَكٍ إنّ أَسْبَقَ مَعَانِيهِ إلَى الْوُجُودِ أَحَقّ بِهِ فَيَكُونُ عَسْعَسَ مِنْ قَوْلِهِ: {وَاللّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التّكْوِيرَ 17] أَوْلَى بِكَوْنِهِ لِإِقْبَالِ اللّيْلِ لِسَبْقِهِ فِي الْوُجُودِ فَإِنّ الظّلَامَ سَابِقٌ عَلَى الضّيَاءِ.